مقولات في الحداثة وما بعد الحداثة

 

خالص مسور

 

يمكن - في البداية - إعطاء تعريف بسيط وأولي للحداثة بالقول: ( هي الإيمان بقدرة الإنسان بفضل عقله، أن يوجه مسار التاريخ وتغيير بناء المجتمع، بغية تحقيق الديموقراطية وصيانة الحقوق والحريات)(1 ) . ويعرفها عالم الإجتماع الفرنسي (جورج بلاندييه) تعربفاً دقيقاً فيقول:(الحداثة إنها قبل كل شيء قطيعة أو تصدع في المجتمعات أو الحضارات التي يضعف فيها التقليد. الحداثة هي الإمتداد والتوسع والإنفتاح على الخارج والأحداث والمجتمعات الأجنبية. هي شبح ثورة وحليفة مجتمعات العصر التقني، وتغذي وهم التحكم العقلاني الكبير والقدرة على تحقيق التصورات الجيدة للمستقبل. فكر-88- ص - 106- ويقال أن كلمة الحداثة التي وجدت في القرن الخامس أو أوائل القرن السادس عشر الميلادي، قد جاءت من كلمة (Modo) التي تفيد في اللغات الأوربية حديثاً أو في هذا الزمن. ولكن الحداثة لها مصطلحاتها الخاصة بها فـ (Modernity) تعني الحداثة، من كلمة(Modern) حديث و(Postmodernity) تعني مابعد الحداثة، أما (Modernism) فهي الحداثية(2)...الخ. والحداثة قائمة على مباديء هي : مبدأ الأخلاق- مبدأ تحرير الإنسان- رد الإستلاب نحو الطبيعة- تحييد المؤسسة الدينية- إقامة العلاقات على أساس عقلاني وديموقراطي، وإنجاز الإختراعات الحديثة، وتطبيق العلم الحديث عليها، وإخضاع الإنسان بل الكون كله لأحكام هذا العقل، أي أن الحداثة في مجملها تقوم على أساس من الفردية والعقلانية، والإيمان بفكرة التقدم الإنساني المستمر، ومركزية الذات الإنسانية وفاعليتها وحريتها وشفافيتها.
ولهذا يمكننا اعتبار العقلانية الركيزة الأساسية في المفاهيم الحداثية، وفي تعاملها مع القيم الدنيوية، ونزوعها نحو نبذ الرؤية المقدسة للوجود، أي إضفاء طابع العلمنة (Secularization) على المجتمعات والقيم الإنسانية عامة، وإهمال ما في التراث الإنساني من خيالات، أدت إلى طمس الفكر الإنساني الحرردحاً طويلاً من الزمن. وفي عودة سريعة إلى التاريخ يمكننا اعتبارباريس مهد ظهورالحداثة التي رأت فيها النورمنذ عام 1830م تحديداً. ولكن في الحقيقة لازال تحديد زمن ظهو رالحداثة موضع أخذ ورد، وخلاف مستديم بين أقطابها والمهتمين بها. فقد يرجعها البعض إلى تجريبية (إميل زولا) الذي جاء على ذكر معنى التجريب في كتابه (الرواية التجريبية)، وبعضهم يرجعها إلى (نيتشة) أو إلى (ولتر بيتر) وغيره من المفكرين الذين عاشوا في السبعينات من القرن التاسع عشر(3).
ويرى آخرون ان الحداثة اقترنت في أوربا بمرحلة الثورة الصناعية 1750- 1850م والتي استمرت في أوربا حتى عام 1930م تحديداً(4). والمفكر الأمريكي(ريتشارد روتي) يرجع الحداثة إلى فكر (ديكارت) و(هابرماس) في القرنان السادس عشر والسابع عشر أي إلى عصر النهضة الأوربية، أما الناقد الأمريكي (فريدريك جيمسون) فيحدد تاريخ ميلادها في النصف الأول من القرن العشرين(5)، وأرجعها بعضهم إلى إنشقاق البروتستنتية أوإلى الثورة الفرنسية 1789م. وأخيراً وليس آخراً، فقد أرجعها بعضهم إلى حادثة انهيار جدار برلين عام 1989م.
ومن جانب آخر فإن المفكر والشاعر السوري أدونيس يرى، أن الحداثة لازالت مفهوماً يكتنفها الغموض ويصعب تحديدها بدقة، وفي تعريف طريف يقول: عزالدين اسماعيل الناقد الادبي المصري المعروف، أن الشاعرالحداثي ليس هو الذي يتكلم عن السيارة أوالطائرة أو الصاروخ، بل أن الشاعر يمكن أن يتكلم عن الناقة والجمل ويكون حداثياً. وبشكل أكثر وضوحاص فإن كاريزما الفكر الحداثي - وكما قلنا - تقوم على الحرية، والمساواة، والديموقراطة، والعلمنة، وحقوق الإنسان...الخ. وبهذا الشكل يبدو أن الحداثة تأسست على هوية الوطنية والشخصية، بمعنى أن الناس فيها متساوون في الوطن والمواطنة، بغض النظر عن القومية أوالجنس واللون، ومن ثم إعطاء الحرية والدور الاكبر للشخص للتعبير عن ذاته وإظهار كل مايملك من فطنة وإبداع لديه، وهي بذلك تعكس عولمة لاحدود لها.
ولهذا فـ كتاب (روسو) (العقد الإجتماعي) حافل بالدعوة إلى تحقيق العدالة والمساواة بين البشر، و(هيوم) يدعو إلى التسامح، وفلاسفة الانوار الحداثيون يدعون إلى الديموقراطية وحقوق الإنسان، بينما يذهب (هيغل) إلى حد تأليه العقل ومحاربة أهواءات الإنسان وخيالاته(6). أما (ماكس فيبر) فقد ربط بين العقلانية والحداثة التي كانت من مفرزات المؤسسة الرأسمالية، والتي ساهمت في عقلنة العملية الإقتصادية، وساهمت إدارتها البيروقراطية في عقلنة نظام تسيير المجتمع، هذه العقلنة من وجهة نظر (هابرماس) أدت إلى إضفاء الطابع الدنيوي على الثقافة وإلى تطور المجتمعات الحديثة، ورغم امتداد الحداثة على كل مفاصل الجسد الأوربي، ألا أن (هابرماس) يقربأن الحداثة مشروع لم يكتمل بعد، بينما يحذر (كانت) الإنسان في كتابه (نقد العقل العملي). أن العقل يشرع للطبيعة فهو لايكتشف الحياة الصالحة بل يضع قوانينها، فما على الإنسان إلا الإتكال على نفسه.)، أي أن العقل لايساعد الإنسان على تغيير القوانين، بل يعرفه عليها وعلى الإنسان أن يبذل جهده ويقوم هو بالتغيير بنفسه. ويرى الاخوان(بومة) أن الحداثة وجهان لعملة واحدة، وجه إيجابي يتجلى في ظهور العقلانية، والآخر سلبي يتجلى في تهميش كل مايمت إلى الجسد والرغبات والشهوات والخيال والنوازع الطبيعية بصلة(7).
وقد ربط (ماركس) - بدوره - نشأة الحداثة بالرأسمالية كنظام اقتصادي، وبالبرجوازية كقوة بشرية تحديثية، وهو في موقفه كان مراوحاً بين إعطاء الاولوية للعنصرالإرادي البشري أحياناً، وللعوامل البنيوية التقنية والإقتصادية أحياناً أخرى(8). هذه الماركسية كانت إحدى تجليات الحداثة التي نادت بحتمية التطورفي التاريخ وفي الطبيعة أيضاً، فليس هناك احتكار للحقيقة من قبل أحد. ويرى (ماركس) أيضاً: (أن الدولة المجردة المتعالية على الطبقات الإجتماعية، تعد من السمات المميزة للحداثة السياسية)، ويعتقد (نيتشه) من جانبه: أن الحداثة (أضفت طابعاً تجريدياً على القيم الأخلاقية....إن القيم هي وليدة المجتمع في لحظات من تاريخه، وهي مرتبطة بثقافته ومعتقداته، فالقيم تتبدل وتتغير حسب ظروف الزمان والمكان) وهذه بنظر (ليوستروس) قادت إلى العدمية وظهور الأفكارالنازية في ألمانيا. بينما يذهب ( (بول شاؤول) إلى أن الحداثة الحديثة هي جزء من الحداثات الكبرى التي حدثت في التاريخ البشري، حيث كانت هناك الحداثة التي جاءت في السابق مع الإمبراطورية الرومانية، والإمبراطورية الصفوية، ثم الإسلامية، وهي تشكل ظواهر متنوعة من الحداثة آنذاك. المعرفة- بول شاوول - ص - 29 نحن والحداثة والعولمة.
كما كان للحداثة ظواهرأدبية تتمثل في (المذهب المستقبلي) الذي وضع أسسه الشاعر الإيطالي (فيلبيو توماسو مارنيتي) الذي قال(الشجاعة والجسارة والثورة سوف تكون العناصر الجوهرية لشعرنا)، وفي كلامه هذا ما يدل على ظواهر مستقبلية كالثورة، والثورة هي دائماً تمثل الحراك نحو الأمام، وبعبارة ماركس فـ(الثورات قاطرات التاريخ) والقاطرات هي في زحف دائم نحو الأمام وليس الخلف، وفي موضع آخر يقول (مارنيتي) المستقبلي (حتى الآن، أعلى الأدب من شأن السكون الكئيب، والوجد، والنوم، ونحن ننوي أن نعلي من شأن الفعل العدواني، والأرق المحموم، وخطوة المتسابق، والوخزة والصفعة)(9 ). كما تنسب الحداثة إلى التكعيبية في الرسم مع(غليوم أبو لينير) ومن روادها(بيكاسو) ثم التعبيرية في الرسم والأدب، ومن ألمعهم فيها(فاسيلي كاندنسكي) الروسي الأصل الذي توفي عام 1944م والذي قال: (لذا يدرك المرء إدراكاً أساسياً، أن السر العظيم المهم ليس في القيمة الجديدة، وإنما في الروح التي تكشف عن ذاتها في تلك القيمة، وأيضاً في السرية اللازمة لذلك الكشف). بالإضافة إلى أن المذاهب الأدبية المختلفة كالدادائية، والرومانسية والسوريالية، اعتبرت من المذاهب الحداثية، والسوريالية التي قدمت مع (بريتون)، رغم أنها تنفي دور العقل ألا أنها تعتبر جزءاً من الحداثة، وفكرتها الأساسية تقوم على /دور اللاوعي في الفن/ وكان (بريتون) أول فيلسوف حداثي نادى(بالحرية الذاتية ).
وقد واجهت الحداثة صعوبات جمة وأزمات خانقة ظهرت على شكل آثار كبرى، حينما همشت الحداثة الجسد واعتبره ثانوياً، هذا الأمرأدى إلى نوع من التقوقع وإقصاء الغير ونوع من التضخم الذاتي، ولهذا اقترح (آلان تورين) الحداثة كمخرج من الحداثة، أي بمعنى تلافي جوانب النقص في الحداثة، وتطوير الأفراد والمجتمعات الحالية وتحديثها بما يلائم المرتكزات الحداثية.
وهناك الحداثة من وجهة الفلسفات العقلانية ثم الإجتماعية وتتمثل في (عقلانية الإقتصاد منذ القرن السادس عشر)، ومن وجهة نظر علم الجمال بدأ التركيز على تباين ذاتية الجميل وتميزه، عن ذاتية الفنان كمبدع لهذا الجميل، هذه الفلسفات كانت تعلن عن وجودها وفي تعريفها النظري الدقيق عبرمنحينين للحداثة، هما العقلانية والإنسانوية او النزعة الإنسانية، وظهور الحق الطبيعي للإنسان، بإلغاء سلطة الكنيسة واعتبار الإنسان مصدر المعرفة ومرجعها، وتراجع دور النص المقدس، أو إلغائه كلياً لمصلحة حقوق الإنسان المدنية، هذه النزعة الإنسانية التي بدأت مع الحداثة، المنبثقة من الرحم الأوربي، في سياقاتها التاريخية والسياسية والثقافية، اعتبرت الديموقراطية تعبيرها المادي والمؤسسي للنظامين السياسي والإجتماعي للشعوب.
وفي مرحلة لاحقة فاضت الحداثة عن حدودها الجغرافية مواكبة ركب الإستعمار، فدخلت في المناطق الآسيوية والإفريقية عنوة، أي بعيداً عن الحوار الحضاري البناء، ودون تطور موضوعي يدعم ذلك، كما هو الحال في مصر مع الإستعمار الفرنسي الحديث، ولهذا فقد لاقت الحداثة مقاومة من سكان هذه القارات الذين تهيبوا نتائجها الإجتماعية وتأثراتها العميقة على ثوابتها التراثية، حيث جرى تدمير البنية الثقافية والإجتماعية لتلك الشعوب التي بدأت تلفحها رياح الحداثة العاتية، وامتد التدمير إلى العلاقات ماقبل الرأسمالية، وتم استبدالها برأسمالية داخلية فوقية من الأعلى. كما تغلغلت الحداثة في الفكر من الناحية الثقافية، والرأسمالية في الإقتصاد، والتبعية ونظام الدولة الوطنية الحديثة في السياسة، أما على صعيد البلاد العربية، فقد طرقت الحداثة ابوابها منذ عصرالنهضة من مدخل أدبي وفني، كما في شعر نازك الملائكة، وبدر شاكر السياب، وفي موسيقى الرحباني، وسينما يوسف شاهين، ولكن كان رد فعل العقل العربي يتصف بالكثير من النرجيسية والبرود تجاه الحداثة الوافدة، فلم يتجاوب مع الفكر الحداثي بما فيه الكفاية، وتشبث برركائزالتراث الموروث من الحضارة العربية الإسلامية، حيث كانت المجتمعات العربية وشعوب المنطقة عموماً، لاتزال في حالة عجزعن مجاراة الحداثة الأوربية الوافدة، في التغيير السريع في المجالات المختلفة، وذلك لسببين أولهما، لأن هذه الحداثة كانت بعيدة عن الثوابت التاريخية لمجتمعات المنطقة، ولم تحمل روائح التراث العربي وشعوب هذه المنطقة عموماً، وثانيهما لأنها وافدة وتحمل بصمات القيم ومفاهيم المجتمعات الأوربية الخاصة، ولهذا لم تتجاوب المجتمعات العربية وشعوب المنطقة معها بل حاربتها بقوة وشدة.
ولكنها من جانب آخر، لاقت الحداثة هوى لدى بعض الشرائح العربية التي قبلتها على علاتها، وكان هؤلاء جلهم من المسيحيين العرب، أمثال أحمد فارس الشدياق، وفرح أنطون، وأديب اسحاق وآخرون، الذين لم يروا بأساً في تطبيق الجوانب العلمانية من الحداثة الوافدة على المجتمعات العربية، سواء بالقوة أو بالإغراء، وبذلك تم الإعلان عن الخطاب الحداثي العربي التي اجترأت على محاربة القديم ونقد كل شيء.
ولكن لم تلبث الحداثة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أن أدت في سياقاتها – وكما قلنا - إلى الإنغلاق في العالم العربي، والتقوقع والإغتراب والتعصب للقيم التراثية القديمة والإنسحاب نحو الوراء، ولايزال الصراع محتماً بين أنصار القديم والحديث، أو بعبارة أخرى بين مفهومي الأصالة والمعاصرة حتى اليوم. 
 
لقد قوبلت أقطاب الحداثة العربية بعنف من قبل المجتمعات العربية المحافظة، مما أدى إلى تراجع البعض من هؤلاء الأقطاب عن أفكارهم الحداثية، كطه حسين في كتابه (في الشعر الجاهلي)، وعلي عبد الرازق في كتابه (الإسلام وأصول الحكم)، وعباس محمود العقاد، وسلامة موسى، ومن الحاليين سيد القمني المفكر المصري المعروف الذي تراجع عن أفكاره الحداثية تحت تهديد السلاح...الخ. بينما تأخرت المقالة السياسية الحديثة إلى العقد الثاني من القرن العشرين مع لطفي السيد، أحد أقطاب الحداثة الذي عاد ينهل من جذورالثقافة الأوربية اليونانية.
أما ذروة اندفاعة الحداثة العربية فكانت مع آل اليازجي، وألحان سيد درويش، وموسيقى زياد الرحباني، ومارسيل خليفة، ولوحات يوسف عبدلكي، ومحمد الفارس وغيرهم... وازدادت الحداثة العربية قوة بين مطلع الخمسينات ومنتصف السبعينيات من القرن العشرين، فانتشرت في في المجتنعات العربية ما يعرف بالحتمية الماركسية، والوجودية السارترية، والداروينية الإجتماعية، وأفكار ألتوسير، وميشيل فوكو، وسيطرة القوميين على مقاليد السلطة، والماركسيون على الصحافة، حتى اعلنت ما سمي آنذاك بنهاية الرجعية الدينية أو اليمين الديني، وتراجعت الليبرالية ثم اندثارالإقطاع وظهور العلاقات الرأسمالية والتأميم، ومعاداة الغرب وفك الإرتباط مع المتروبول، ولكن الحداثة بدأت بالتراجع بعد انكسار المشروع القومي العربي بعد حرب حزيران 1967م، وكان سبب هذا التراجع - كما قلنا- هو عدم نضج المجتمع العربي وكاريزماته التراثية، التي حالت دون انتشارالمفاهيم الحداثية وما رافقها من افكار الليبرالية والعصرنة الأوربية (10). ومهما يكن الأمر فيجب على المجتمعات العربية وشعوب المنطقة عموماً المشاركة فيها، في عملية ثقافية يتم فيها تقديم الأهم على المهم، و السير نحو ركب المجتمع المدني والمجتمع الحداثي متمثلاً بالديموقراطية وحقوق الإنسان، مع مواجهة ما هو سلبي في مثل هذه الحداثة المعولمة، التي انتشرت في أرجاء الأرض وكأنها السيل الجارف. هذا ويذهب الكثيرمن الباحثين، إلى أن الغموض لايزال يلف مصطلح الحداثة ومدلولاتها. أما المعرفة الحداثية هي معرفة تقنية تحديثية، وتعني إضفاء الطابع التقني على العلم، غايتها السيطرة على الإنسان وعلى الطبيعة، أو السيطرة على الطبيعة عبر الإنسان، حيث يتم انزياح الثقافة التقليدية وإحلال الثقافة المترافقة مع التقنيات الحديثة محلها، ومن ثم تكيفها بالتدريج لتواكب متطلبات العصر المعولم، الذي يختل فيه التوازن بين الماضي الجامد والحاضر المتحرك والنشيط، والإنفلات من الإسارالأرضي نحو الآفاق اللامحدودة، عبر القطيعة مع التراث والإنفتاح على الجديد والمستقبل الآتي، والإستعانة بالصيرورة التاريخية، واستخدام العلم الحداثي في إنشاء إيديولوجيات سياسية. وهناك آراء ترى أن الإنسان ذات متشظية، ولذا فهو ليس حراُ في اختيار مصيره ، وخاضع لحتميات تاريخية واقتصادية واجتماعية، كما في الداروينية الإجتماعية، وفي الحتمية والحركة التطورية الوحيدة الإتجاه للتاريخ كما هو لدى (ماركس) في الإقتصاد ونظريته عن المراحل أو التشكيلات الإقتصادية- الإجتماعية الخمس التي مرت بها البشرية خلال مدى تاريخها الطويل، ثم الفرويدية مع نظريتها السيكولوجيا. وبعبار(اليستروس) فقد أصبح التاريخ توسطاً بين الواقع والمثال، عبر حركة تطورية وحيدة الإتجاه، حيث تم وسم الحداثة بالتاريخانية أوما يعرف بتقديس التاريخ. ولهذا فالفكر الحداثي يعطي الإنسان قيمة مركزية نظرية وعملية، وهو مايراه (هيدجير) الذي يربط نشأة الحداثة بالحدث الفلسفي المتمثل في جعل الذات مركزاً أو مرجعاً، وقد أوجز (هابرماس) ذلك بـ الفردذاتية أو الفرادة الخاصة، لها الحق في النقد وباستقلالية العقل، كما هو الحال في فكر الفلسفة التأملية، حيث يتم إرجاع كل شيء إلى الذات المفكرة، وتجلى هذا الامر في عبارة الفيلسوف الفرنسي ديكارت في قوله: أنا أفكر إذاً أنا موجود(11).
ومن تجليات الحداثة انبثاق مفهوم المجتمع المدني وهو في الكتابة الكلاسيكية فكرة أوربية قديمة، صيغت خلال القرن الثامن عشر للإشارة إلى عملية انتقال أوربا الغربية من النظام القديم إلى الديموقراطية البرجوازية، وقدم كل من الفلاسفة برغسون، وآدم سميث، وهيغل، وتوكفي، وكذلك غرامشي، مساهمات حول الموضوع كآخر التأملات حول المجتمع المدني.
ونعود إلى القول: بأن الحداثة في خطوطها العريضة، هي حركة تجديدية، تدعو إلى الغوص في أعماق النفس الإنسانية، بأساليب ووسائل فنية جديدة، ففي الفن هناك ثورة في مجال الرسم والموسيقى والشعر، وخاصة الشعر الحر(فيرس ليبرة)، وفي الرواية ظهرما يسمى بتيار الوعي والغوص في أغوار النفس البشرية، هذه الإتجاهات الفنية تتضمن تحطيم كل ما هو إنساني، إنها هدم تقدمي لكل القيم الإنسانية التي كانت سائدة في الأدب الرومانسي والطبيعي، وعلى حد قول(اورتيكا كاسيت): أن الحداثة لاتعيد صياغة الشكل بل تأخذ الفن إلى ظلمات الفوضى واليأس. ويقول(فرانك كيرمود) نفس الشيء، وهذا يعني أن الحداثة لاتأخذ بيد الفن إلى مواطن الإبداع وإنما على التهلكة. وباختصار لقد بدأت الحداثة من حيث انتهت الرومانسية 1930م، بالتجديد الجذري وبالتجريبية في المضامين الجمالية والإسلوبية معاً.
إن أزمة الفنان المعاصر ليست هي التحرر من التاريخ، وإنما هي أزمة الحالة التي يجب أن يتعامل بها مع التاريخ. فللحداثة خيال واع خلاق يستطيع احتواء كل ما هو بسيط وساذج، أوشيء ذي بال كما يقول(جيمس). ولها القدرة على الإتيان بكل ماهو مدمر، إنها رحلة إلى عوالم تكتنفها المخاطر والكوابيس والموت، وتتمثل تلك المخاطر في الفكرالدادائي والسوريالي الذي هو على سبيل المثال هدم لكل القيم الإنسانية، بل هي الفوضى الحضارية والفكرية التي تعم مفاصل حياتنا المعاصرة في جميع جوانبها، والتي كانت من مفرزات الحرب العالمية الأولى، وهي أدب التكنولوجيا والتحديث إنها الفن المتأتي من عدم الإعتراف بالأمور الواقعية التقليدية، ومن تحطيم تكامل الشخصية الفردية. إنها الفن الذي ولدته الفوضى اللغوية القائمة على استهجان بعض الظواهر العامة للغة، وهي الفن الذي حول الواقع إلى خيال نسبي.
فالحداثة - والحال هذه- هي فن الإبتعاد الصارم عن المجتمع إنها كما يعتقد الفنانون التعبيريون فن اللافن، الذي يحطم الأطر التقليدية وتبني رغبات الإنسان الفوضوية التي لايحدها حدود. وعلى هذا فالحداثة لاتكون فن الحرية بل هي فن الضرورة، أي أنها تجاوز للحرية إلى الفوضى وكل ما هو غير الحرية تدخل في حالات الضرورة والحتم، وبذلك ودعت الحداثة عالم الواقعية الحضارية التي قام عليها في القرن التاسع عشر، واعتمدت بدلاً منها العوالم الغنائية الموغلة في الخيال والتهكم، التي تمتلك القدرة على الإبداع والتحطيم في آن واحد واحتقار الذات. ويعد (أورتيكا) الحداثة فناً طفولياً لأنه أبعد من أن يكون فناً طليعياً، نظراً لنزعته التدميرية وثورته على الناس والتاريخ والزمن. بينما يرى آخرون أن الخصوصية التجريبية لهذا الفن لايجرده من مضامينه الإجتماعية، لأن الفن يكون طليعياً متى ماثار وانتفض، ليمهد السبيل إلى مستقبل أفضل، أي أن الحداثة تريد تحقيق فن لاوجود له.
كانت الحداثة في الثمانينات من القرن التاسع عشر تعني الإيمان الراسخ بالتطور الإجتماعي، والإعتقاد بأن تسلط الضوء على المساويء يعني القضاء عليها، وكانت تعني أيضاً التنكر للتقاليد الماضية من أجل الإتيان بواقع أخلاقي وصحي ومثل أفضل. وكان يعتقد بأن العمل الجاد والرؤية الواضحة والشجاعة والأهداف المحددة، هي مفاتيح المستقبل.
كتب (يوجين ول) عام 1888م يقول: الحداثة(هي أشبه بامرأة تملؤها روح المعاصرة. وفي الوقت نفسه هي امرأة مثالية، امرأة عاملة ذات جمال فتاك ومثل نبيلة. إنها تتطلع إلى خدمة القيم الخيرة والنبيلة، وكأنها تتطلع لإإلى ملاقاة ابنها الحبيب، لم تعد شابة عذراء ولم تعد سخيفة وغافلة عن جمالها. إنها امرأة ذات ماض لكنها نقية إنها تمشي بإيقاع سريع كإيقاع العصر، ثيابها مهفهفة وشعرها أذرته الرياح....)
ومهما يكن الأمر، فقد ارتقت الحداثة بالحياة وأضفت الطابع العقلاني على الفكر والفن والإبداع، ولم تفرض على الشعوب الأوربية فرضاً، بعكس المجتمعات النامية التي كانت الحداثة غريبة عنها، أي أنها فرضت عليها من الخارج، فلم تتأقلم معها تلك المجتمعات حتى اليوم بشكل سليم ومقبول، فناصبتها العداء لأنها وجدت فيها إلغاء لتراثها وماضيها. وتكمن صعوبة التحول نحو الحداثة كما يصوره(كافكا) بحالات التحول (تحول الإنسان إلى خنفسة)، وهكذا فستبقى الحداثة بعيدة عن المجتمعات العربية والدول النامية على العموم، مادامت السياسة مسيطرة على المؤسسات المعرفية واليقافية وعلى العقل أيضاً، ومادامت السياسة تتحكم بهذا القدربالفكر والفن وبقية المجالات الثقافية الأخرى.
وقد استخدم المؤرخ الإنكليزي (أرنولد توينبي) فيما بعد، مصطلح مابعد الحداثة عام 1959م حيث أعلن حينها موت الحداثة في العالم الغربي، مشيراً بذلك إلى ظاهرة العولمة والتعددية الثقافية، وعنده تكمن ما بعد الحداثة في ثلاث خطوات أو ميزات أساسية، هي اللاعقلانية، والفوضوية، والتشويش. ولهذا تؤمن ما بعد الحداثة بالعبثية والفوضى، وإفساد لعناصرالحداثة، بمعنى أنها ليست سوى سخرية، وتشويش، ولاعقلانية، وخزعبلات. ولهذا اعتبر الماركسيون كـ (بيتري إيجلتون) و(فريدريك جيمسون)، مابعد الحداثة فكرة عدمية، تعبر عن الإفلاس السياسي والفكري والإقتصادي للرأسمالية.
بهذا المفهوم أعلنت مابعد الحداثة موت العقلانية، ولفظتها من قواميسها الفكرية دفعة واحدة. وبناء عليه فموقف مابعد الحداثة غير ملزم بالقضايا الإجتماعية وهو مايعنيه (ميشال فوكو) بموت المثقف أي إلغاء دوره في القضايا الإجتماعية مما يعني تقوقع رسالة المثقف بمعناها الواقعي الملتزم، وهو ما يعتبر ثورة على الفكر الحتمي الماركسي، وعلى دور المثقف في التوعية وقيادته للثورات العمالية، حيث يقول لينين (لايمكن حمل الوعي إلى العامل إلا من الخارج)، وبذلك دخل الفن والفكر في ما بعد الحداثة في مرحلة اللامعنى واللانتظام، وتم إفراغ الفن من معناه والتركيز على الظاهري والشكلاني الخارجي منه(12).

____________________________
(1 ) - العلمي الإدريسي رشيد – مقال انترنيتي
(2) فكر 88- 57-
(3) المعرفة – العدد 485- شباط 2004- ص - 148-
(4) إضاءة على الحداثة- ذكاء الحر- ص 49- مجلة فكر 88- حزيران 2005).
(5) + (8) محمد سبيلا- التحولات الفكرية الكبرى للحداثة- مقال انترنيتي
(6)+ (7) + (8) مجلة فكر- العدد السابق - 88-
(9) عالم المعرفة – العدد – 246- ص- 13
(10) عبد الإله بلقزيز) - عالم المعرفة – العدد- 485 - ص- 99
(11) + (12 ) الحداثة – مالكولم برادبري – ترجمة – مؤيد فوزي حسن – ص 26-
ï»؟